عبد الملك الجويني

263

نهاية المطلب في دراية المذهب

2591 - وقد ذكر بعض المصنفين أن من أصحابنا من يعتبر عادات أهل كل ناحية ، فيما يُتَّخذُ طيباً ، وهذا فاسدٌ يشوش القاعدة . ولا خلاف أن ما يُطعم في قطر ملتحق بالمطعومات في الربا . 2592 - وأما الكلام في جهةِ استعمال الطيب ( 1 ) ، فإنا نسوق فيه ترتيباً جامعاً ، فنقول : إذا عَبِقَ ( 2 ) عينُ الطيب ببدن المحرم ، أو ثوبه ، فهذا استعمال طيبٍ ، سواء كان معتاداً أو لم يكن معتاداً ، فلو وطيء المحرم طيباً رطباً ، بعقبه ، على عمدٍ ، استوجب الفدية ، وعليه يُخَرّج إيجاب الفدية على المحرم ، إذا أكل خبيصاً مزعفراً ؛ فإن عينَ الطيب يعبق ، بيده . وتعليل ذلك أن عين الطيب إذا اتصلت ، وعبقت على أية جهةٍ فُرضت ، فيجب على المحرم إزالتُها ، كما يجب إزالة النجاسة ، على من يحاول الصلاة ، وكل اتصال يجب إزالته فاعتماده يوجب الفدية . فأما إذا انتهت رائحة الطيب إلى المحرم ، فيتعين في ذلك اعتبار غلبة الاعتياد ، فإذا [ تبخّر ] ( 3 ) المحرم واحتوى بثيابه على المجمرة ، فهذا تطيب معتادٌ ، موجب للفدية ، ولو جلس عند الكعبة وهي تُجَمّر ؛ فناله من الريح الطيب ، ما ينال معتمد التبخير ، فلا فدية ؛ فإنه لا يسمى متطيباً ، وكذلك لو جلس عند عطار ، فعَبِقت به الروائح . وألحق الأئمة بما ذكرناه أن يُجَمَّرَ بيت فيه قوم ، فهم من وجه مقصودون بالعطر ، ولكن إذا لم يحتوِ واحد على المجمرة ، فلا يُعد متطيباً ، ويعد هذا تطييبَ البيت ؛ حتى يستروح إليه ساكنوه . ْوالسر الجامع في ذلك : أن المحرم فيما نظن لم يُمنع من الطيب اضطراراً له إلى احتمال التَّفَل والأذى ، ولذلك لم يمنع من الاغتسال وإزالة الوسخ ، وإنما المقصود من منعه من الطيب - قطعُ اعتياد التطيب ، المُلهي عما يعنيه ، ولا يبعد حمل المنع

--> ( 1 ) هذا هو المقصود الثاني من الفصل . ( 2 ) عبق : من باب تعب : علق ، وفاحت رائحته . ( معجم ) . ( 3 ) في الأصل ، و ( ك ) تنجز ، والمثبت من ( ط ) .